أزهــــــــار السلام

سلام الله عليكم .. و مرحبا بكم ..
انكم في روضة ازهـــــــــــــــــار المحبة والسلام
ادخـلــــــــــــــــــوها بسلام امنيــن


اقطفـــــــــــــــــــــــــوا منها ما شئتم من الورود
و لا تنسوا ان تزرعوا بذور ازهاركم العبقة ..

" زرعـــــوا فقطفنا .. ونزرع فيقطفون "

أزهــــــــار السلام

روضـــــــة ثقافية عربية اسلامية وحدوية

نتمنى لكل ازهارنا الندية قضاء لحظــــــــــــــــات مثمرة ومفيدة بين ممرات بستاننا الزكية .................................مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ...................................(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ))................. ....................... ... ................ (( وَاعْتَصِمُـــــــــــــــــــــوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ))......................................

الهبة والصدقة

شاطر
avatar
ام يوسف

عدد المساهمات : 1543

الهبة والصدقة

مُساهمة من طرف ام يوسف في الأحد مارس 11, 2018 2:59 pm

الهبة والصدقة في مدونة الحقوق العينية

مقدمة
تعتبر التبرعات من أهم المواضيع التي كانت مؤطرة بقواعد الفقه الإسلامي، حيث أبدعت المصنفات الفقهية وشروحها المعتمدة، وكتب النوازل المختلفة قديما وحديثا بالبحث والتدقيق فيها.
والتبرعات بصفة عامة هي ما يعطيه الإنسان مجانا دون مقابل كالهبة والصدقة والعمري وغيرها... مما ينتظم تحت مسمى واحد هو الإعطاءات أو العطايا، ومجموع هذه العطايا لا تختلف عن بعضهما البعض من حيث الأحكام العامة إلا في بعض الجزيئات التي اعتبرها الفقهاء في كل باب.
وسنقتصر في هذا العرض على دراسة الهبة والصدقة لأنهما يكونان سببا لكسب الملكية التامة غيرهما من أنواع التبرعات كالحبس والعرية والإمتاع فإنها أسباب لكسب المنفعة فقط[1].
ويمكن تعريف الهبة والصدقة بأنها تمليك مال بدون عرض، والفرق بينهما أن الصدقة يقصد بها التقرب إلى الله تعالى ونيل ثواب الآخرة، في حين أن الهبة يقصد بها شخصية الموهوب له والتقرب إليه.[2]
وتطبق عليهما نفس الأحكام ولا يفترقان إلا في أربعة أمور :
‌أ.         الهبة تعتصر بخلاف الصدقة التي لا يجوز اعتصارها والرجوع فيها
‌ب.     لا يجوز للمتصدق تملك الصدقة مرة ثانية بأي وجه من وجوه التملك إلا بالإرث، بخلاف الهبة فيجوز للواهب أن يشتري ما وهبه، ولا يجوز أن يشتري ما تصدق به.
‌ج.      يصدق الواهب في قصده الثواب أي العوض، وإن لم يشترطه بخلاف المتصدق فلا يصدق في قصد الثواب إلا إذا اشترطه فتصير معاوضة.
‌د.        يجوز للواهب الإنفاق من الهبة على أبيه إذا افتقر بخلاف الصدقة[3] وهذا ما أكدته مدونة الحقوق العينية[4]، من خلال المادة 291 التي نصت على أنه : " تسري على الصدقة أحكام الهبة مع مراعاة ما يلي :
·       لا يجوز الاعتصار في الصدقة مطلقا.
·       لا يجوز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث ".
ويعتبر هذا النص من المستجدات التي حملتها م . ح . ع إضافة إلى قواعد ونصوص أخرى منظمة لعقد الهبة وعقد الصدقة، وبذلك وجد الآن تشريع يمكن الرجوع إليه وتطبيق فصوله وبنوده فيما يتعلق بالعقدين المذكورين.
وتتجلى أهمية هذا الموضوع فيما للهبة والصدقة من أهمية بالغة في تقوية الروابط الإنسانية المبنية على أساس البر، لقوله تعالى : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "[5]، وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان، خاصة وأننا نشهد في عصرنا الحالي تفكيك الروابط الإنسانية وتشتتها واتسام العلاقات بين الناس بالفتور، كما أن للهبة أو الصدقة أهمية ملفتة في الحياة العملية والقانونية، فهي تصرف خطير، إذ يتطلب جرأة من الواهب للتنازل عن جزء من ماله، فهذا العقد يبرم أثناء حياة الواهب وهو في أتم عافيته، وقد يبرم أثناء مرض الموت، وقد يكون موضوع هذا العقد عقارا محفظا أو في طور التحفيظ أو عقارا غير محفظ، وقد تكون الهبة من باب المحاباة والإضرار بالورثة، وقد اختلفت الآراء في موضوع حيازة الملك الموهوب وشروط تلك الحيازة، كما أن الرجوع في الهبة أي ما يعرف بالاعتصار خلف هو الأخر عدة نزاعات طرحت على القضاء.
كل هذا يدفعنا إلى التساؤل حول أركان وشروط صحة هذين العقديين بين أحكام الفقه الإسلامي ومستجدات مدونة الحقوق العينية ؟ وكيف تعامل معها القضاء ؟
وإلى أي حد حافظ المشرع على القواعد التي وضعها الفقه في تأطيره لعقدي الهبة والصدقة ؟ وما هي حالات الاعتصار في الهبة ؟ وعوارض وآثار هذا الاعتصار ؟
للإجابة عن هذه الإشكاليات ارتأينا تقسيم هذا العرض إلى مبحثين على الشكل التالي :
المبحث الأول : الهبة والصدقة كسب من أسباب كسب الملكية
المبحث الثاني : الرجوع في الهبة بين الثابت والمتغير
المبحث الأول : الهبة والصدقة كسب من أسباب كسب الملكية
لقد استهل المشرع الفصل الخاص بتنظيم الهبة بتعريف لها وذلك من خلال المادة 273 من م . ح . ع، على أن " الهبة تمليك عقار أ حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض " والملاحظ أن المشرع في تعريفه استبعد المنقول، ويرى بعض الفقه[6]، أنه كان على المشرع أن يستعمل عبارة مال أو حق مالي، بدل حصر التعريف في العقار والحق العيني العقاري على اعتبار أن الهبة يمكن أن تنصب على منقول أيضا، وقد وضعت مدونة الحقوق العينة لعقد الهبة مجموعة من المقومات التي لا مناص منها، حتى يستطيع أن ينتج آثاره القانونية. ويمكن تقسيم هذه المقومات إلى أركان وشروط صحة، لذلك سوف نتطرق في ( المطلب الأول ) إلى أركان عقد الهبة، ثم نتحدث في ( المطلب الثاني ) لشروط الصحة.
المطلب الأول : أركان عقد الهبة
للهبة كما هو الأمر في سائر العقود أركان أربعة وهي : الصيغة[7]، والأطراف[8]، والمحل[9]، والسبب، ولكل من هذه الأركان شروط تتعلق بالأهلية وعيوب الرضى وشروط المحل والسبب، وهي محل خلافات فقهية ثانوية لا داعي للخوض فيها في هذا العرض، والاكتفاء بما جاء به المشرع في المادة 274 من م . ح . ع حين نص في البند الأول منها على ركني الإيجاب والقبول ( الفقرة الأولى )واستلزم أن يجري في محرر رسمي في البند الثاني من نفس المادة ( الفقرة الثانية )


الفقرة الأولى : الإيجاب والقبول في الهبة
لابد لانعقاد الهبة صدور إيجاب من الواهب، وهذا ركن لا تنعقد بدونه، ولكن هل يلزم صدور قبول من الموهوب له ؟
للإجابة على هذا التساؤل سنتطرق ( أولا ) إلى موقف الفقه الإسلامي، ثم موقف مدونة الحقوق العينية ( ثانيا )
أولا : موقف الفقه الإسلامي
ذهب بعض الفقه على أن التراضي في الهبة يتم بالإيجاب فقط، وهو قول بعض الحنفية وابن حزم الظاهري فالهبة تنعقد عندهم بمجرد التلفظ بها دون حاجة لقبولها أو حيازتها[10]، وذهب الحنابلة والشافعية والمالكية إلى أن كلا من الإيجاب والقبول ركنان للهبة، لأن هذه الأخيرة عقد وقيام العقد بالإيجاب والقبول، ولأن ملك الإنسان لا ينتقل إلى الغير بدون تمليكه وإلزام الملك على الغير لا يكون بدون قبوله[11]، والسبب حسب الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري في جعل الهبة عقد، واستلزام قبول الموهوب له، أن الهبة وإن كانت تبرعا إلا أنها تنقل عنق الموهوب له بالجميل، وتفرض عليه واجبات أدبية نحو الواهب، وقد يؤثر الموهوب له رفض الهبة، كما استشف من ورائها غايات للواهب لا يحمدها[12]،
ثانيا : موقف مدونة الحقوق العينية
إن الإيجاب في عقد الهبة هو ذلك التعبير الصادر عن إرادة الواهب بأن يتبرع لشخص آخر بالشيء الموهوب، ويجب أن يظل هذا الإيجاب مستمرا في الزمان إلى أن يقبله الموهوب له، فإذا توفي الواهب قبل أن يقبل الموهوب له الملك الموهوب بطلت الهبة ( المادة 279 من م . ح . ع ) في بندها الأول على أنه " تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول "
أما قبول الهبة فهو ذلك التعبير الصادر عن الموهوب له الذي يوجهه للواهب، بقبول الهبة، ولعل علة المشرع في اشتراط قبول الهبة من طرف الموهوب له، أن هناك من لا يرضون تبرع من يهب لهم، ولم يشترط المشرع أن يكون الإيجاب والقبول متطابقين في مجلس العقد، بل يمكن أن يكون ذلك القبول في وقت لاحق، وفي وثيقة مستقلة عن عقد الهبة، والقبول كما يمكن أن يتم صراحة يمكن أن يتم بالحوز الفعلي للمال الموهوب، ولعل المشرع استعمل مصطلح القبول، محل مصطلح الحوز فصحيح أن الحوز يعد دليلا على القبول، لكن هناك فرق بينهما في الطبيعة القانونية[13].
الفقرة الثانية : شكلية عقد الهبة
أضاف المشرع إلى ركني الإيجاب والقبول، ركنا أخر بمقتضى البند الثاني من المادة 274 من م . ح . ع . إذ استلزم أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي تحت طائلة البطلان وبالتالي استبعد الوثيقة العرفية، وفي الفقرة الثالثة والرابعة من نفس المادة جاء المشرع بأحكام حسمت نزاعا عميقا ونقاشا طويلا وكانت محط تضارب في الاجتهاد القضائي حتى على مستوى المجلس الأعلى آنذاك وهي مدى حجية الحوز القانوني وما إذا كان يغني عن الحوز المادي، ولدراسة هذا الموضوع سنتطرق إلى الشكلية في الهبة قبل صدور مدونة الحقوق العينية ( أولا ) ثم بعدها ( ثانيا )
أولا : شكلية الهبة قبل صدور مدونة الحقوق العينية
الهبة في أحكام الفقه المالكي عقد شكلي[14] إذ يتوقف انعقادها على الإشهاد عليها، بالإضافة لحيازة الشيء الموهوب من طرف الموهوب له والإشهاد على هذا الحوز وفي نفس الاتجاه قضى المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) بعدم الاعتداد بالهبة التي لم يستدل على الإشهاد بها حيث قرر ما يلي : " وحيث يشترط في صحة الهبة كما في سائر التبرعات الإشهاد المضمن ببيان الموهوب كما يشترط حيازته من طرف الموهوب له[15]، يتم الإشهاد بواسطة شاهدين عدلين يلتقيان الإشهاد بالهبة ويحررانه في محرر رسمي، وبالنظر إلى عدم وجود تنظيم تشريعي في بلادنا خاص بالهبة فإنه استثناءا وقع التجاوز بإنشائها ولو بعقد عرفي، الأمر الذي كان يثير العديد من التضارب الفقهي والقضائي، فبعض المحاكم قضت ببطلان الهبة الموثقة في عقد عرفي، والبعض الآخر قد أقرها، إذ ورد في قرار صادر عن المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) بتاريخ 21 يناير 2009 تحت عدد 33 في الملف عدد 2010/2/1/2008 ما يلي :
" لئن كان الإشهاد شرطا في صحة عقود التبرع، فإنه جرى العمل القضائي على جواز الاعتماد على كل ما يقوم مقام الإشهاد ويؤدي نفس الغرض المناط به، وعليه فإن توقيع المتبرع على عقد الصدقة، وقيامه بإجراءات المصادقة على توقيعه أمام السلطات الإدارية المختصة ينهض كإشهاد يصح به التبرع "[16]،
أما فيما يخص الحوز فقد كان من أهم القضايا التي حظيت بنقاش فقهي طويل وعمل قضائي مضطرب حيث كان بعض الفقه يتشدد في حيازة العقار الموهوب ولاسيما دار السكنى، ويشترط عدة شروط منها إخلاء العقار من شواغل الواهب،
ومعاينة الإخلاء من طرف عدلين، وغلق العقار لمدة سنة[17]، مع الإشارة على أن شرط معاينة الحوز في الهبة بشاهدين لم ينص عليه في المدونة الكبرى للإمام مالك ولا في المؤلفات القديمة، ويظهر أنه من وضع فقهاء المالكية المتأخرين من شراح تحفة ابن عاصم ومختصر الشيخ خليل[18]،
وقد ذهب العمل  القضائي في نفس الاتجاه حيث ذهب المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) في العديد من اجتهاداته على أن الحوز باعتباره شرط تمام في الهبة، وإن ورد على عقار محفظ، فإنه يقتضي معاينته من طرف العدلين وهو ما يسمى بالحوز المادي وجاء في أحد قراراته " أن إشهاد العدلين بمعاينته من طرف المتصدق وشواغله شرطان لازمان لصحة الصدقة ولا يمكن إثبات ما يخالف الإشهاد العدلي بلفيف لأن المثبت مقدم على النافي"[19].
وخلافا لذلك ذهبت اجتهادات أخرى إلى أن الحوز القانوني والذي يكون بتسجيل الهبة في الرسم العقاري يغني عن الحوز المادي[20].
إن ما سلف ذكره يسفر عن وجود اختلاف في الاجتهادات القضائية، وهو الشيء الذي دفع المجلس الأعلى إلى البت بجميع الغرف في هذا الموضوع وذلك في قرار له اعتبر فيه أن تسجيل التبرع قبل حصول المانع حيازة قانونية تغني عن الحيازة الفعلية[21]
ورغم صدور هذا القرار استمر التضارب في الاجتهاد القضائي، فهل مدونة الحقوق العينية حسمت الأمر ؟
ثانيا : الشكلية في الهبة وفق مدونة الحقوق العينية
استلزم المشرع بمقتضى البند الثاني من المادة 274 من م . ح . ع، أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي تحت طائلة البطلان، ويستوي في ذلك أن يكون المحرر الرسمي عدليا، أو منجزا من طرف موثق عصري،
ونعتقد أن المشرع أحسن صنعا عندما استبعد الوثيقة العرفية وذلك لتفادي النزاعات التي كانت تثيرها عقود الهبة العرفية، التي غالبا ما يكتنفها اللبس والإبهام،
وقد رتب المشرع جزاءا على عدم احترام هذه الشكلية التي تعد شكلية انعقاد، وهو بطلان التصرف الذي لم يحترمها، والمحكمة تكون ملزمة إذا ما رفع إليها النزاع أن تثير هذا الأمر تلقائيا ولو لم يقم بذلك الأطراف[22].
وإذا كان المشرع قد رتب صراحة البطلان عن عدم احترام شكلية الرسمية في عقد الهبة فالملاحظ أنه قد وقع في تناقض مع المادة 4 من نفس القانون التي لم تحصر تحرير التصرفات الناقلة للملكية في المحررات الرسمية، وإنما أجازت كذلك إنجازها من طرف محام مقبول لدى المجلس الأعلى، وذلك في المادة 4 من م . ح . ع[23]، فالمفروض في النصوص القانونية أن يكمل بعضها بعضا، وألا تتعارض فيما بينها، فهل يجب أن يحمل اشتراط الرسمية في عقد الهبة على أنه نوع من التخصيص له ؟ رغم أن التمحيص في المادتين 4 و274 من م . ح . ع يوحي بأن ثمة تناقضا بينهما.
أما بالنسبة للفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 274 من م . ح . ع في باب عقد الهبة، جاء المشرع بأحكام حسمت النقاش الطويل والنزاع العميق الذي تطرقنا إليه سابقا، وهكذا إذا انصبت الهبة على عقار محفظ أي له رسم عقاري فإن تقيد عقد الهبة في السجل العقاري يغني عن الحيازة الفعلية أو المادية للملك الموهوب، ولا داعي لإخلائه من طرف الواهب وكذلك الأمر بالنسبة للعقار الذي هو في طور التحفيظ.
وإذا كان العقار غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيزته الفعلية وعن إخلائه. ونعتقد أنها طريقة ذكية من شأنها أن تدفع ملاك العقارات غير المحفظة إلى إدخال تلك العقارات تحت نظام التحفيظ.
وبعد الحديث عن أركان عقد الهبة ننتقل لنتناول شروط صحة هذا العقد وذلك بمقتضى المطلب الموالي.
المطلب الثاني : شروط صحة عقد الهبة
إضافة إلى ضرورة توفر عقد الهبة على أركانه المشار إليها أعلاه فإنه لا يصبح ساريا على المتعاقدين ولا بالنسبة للأغيار إلا بتوافر شروط معينة ضمنها المشرع في صلب مدونة الحقوق العينية الجديدة.
ويتعلق الأمر بشرط أهلية الواهب وملكيته للشيء الموهوب ( فقرة أولى )
ثم عدم إحاطة الدين بمال الواهب وألا يكون في مرض الموت ( فقرة ثانية )
الفقرة الأولى : أهلية الواهب وملكيته للشيء الموهوب
تنص المادة 275 من م . ح . ع،على أنه : " يشترط لصحة الهبة أن يكون الواهب كامل الأهلية مالكا للعقار الموهوب وقت الهبة "، وعليه سنتطرق لأهلية الواهب ( أولا )، ثم ملكية الشيء الموهوب ( ثانيا ).
أولا : أهلية الواهب
ينبغي أن نفرق بين الأهلية اللازمة لدى الواهب والأهلية المطلوبة لدى الموهوب له.
فيقصد بأهلية الواهب أن يكون الشخص الواهب صالحا لثبوت الحقوق المشروعة له وعليه وصلاحيته لاستعمال الحق عن طريق التصرف القانوني، أي أن الهبة لا تصح إلا إذا صدرت من شخص بلغ سن الرشد ويكون كامل الأهلية، أي قادرا على التصرف بالتفويت في أمواله بدون عوض.
أما الموهوب له فلا تشترط مدونة الحقوق العينية أن يكون كامل الأهلية، إلا أنها ميزت بين حالتين : أما أن يكون الموهوب له فاقد الأهلية فيقبل الهبة عنه نائبه الشرعي، وفي حالة غياب هذا الأخير يعين القاضي مقدما ينوب عنه في القبول، أو أن يكون فيها الموهوب له ناقص الأهلية كالصغير المميز، فقبوله الهبة شخصيا يقع صحيحا ولو مع وجود نائبه الشرعي، وعلة ذلك أن الهبة من التصرفات التي تنفعه نفعا محضا لكونها تغنى ذمته المالية. ( المادة 276 )
ثانيا : شرط ملكية الواهب للشيء الموهوب
يجد هذا الشرط سنده في أحكام الفقه المالكي، الذي يشترط أن يكون الشيء الموهوب مملوكا للواهب وقت الهبة، إذا قال ابن جزي، " وأما الموهوب فكل مملوك "[24].
وبالتالي فإن من وهب الشيء قبل أن يملكه فلا تلزمه هذه الهبة وقد تم التأكيد على هذا الشرط في المادة 277 من م . ح . ع، التي جاء فيها أنه يقع باطلا هبة المال المستقبل، وهبة عقار الغير، خلافا لعقد البيع الذي أجاز المشرع في بنوده بيع ملك الغير إذا أقره المالك، أو إذا اكتسب البائع فيما بعد ملكية الشيء المبيع ( الفصل 485 من ق . ل . ع ).
وعلى سبيل المقارنة نجد أن المشرع المصري اشترط أيضا أن يكون المال الموهوب ملكا للواهب، فإن كان غير مملوك له بأن كان مملوكا لغيره، فإن أحكام هبة ملك الغير هي التي تطبق في هذه الحالة وقد نص المشرع على هذه الإحكام في المادة 491 من قانون المدني المصري[25].
الفقرة الثانية : عدم إحاطة الدين بمال الواهب وألا يكون في مرض الموت
إذا كان الواهب مدينا وديونه تستغرق أمواله، أو كما عبر عنها المشرع من كان الدين محيطا بماله فلا تصح هبته[26]، لأنه يتعين عليه أولا أن يسدد ديونه، وكما قيل روح المدين معلقة بالوفاء بديونه وهذا الشرط عبر عنه صاحب التحفة[27] بقوله :
صدقة تجوز إلا مع مرض                                        موت وبالدين المحيط تعترض
وسنتطرق لشرط عدم إحاطة الدين بمال الواهب ( أولا )، ثم ألا يكون الواهب مريضا مرض الموت ( ثانيا )
أولا : عدم إحاطة الدين بمال الواهب
إن شرط عدم إحاطة الدين بمال الواهب قد جاء كحماية لحقوق الدائنين وضمانا لأموالهم، حتى لا يتسبب لهم تصرف المدين ضرر بمصالحهم، وذلك تكريسا للقاعدة الواردة في الفصل 1241 من قانون الالتزامات والعقود وهي : " أموال المدين ضمان عام لدائنيه ".
وتكمن أهمية هذا الشرط في أنه يحول دون تهرب المدين من أداء ديونه وتحايله بهذا الخصوص.
وهذا الشرط ليس إلا تأكيدا لما جاء به الفقه المالكي والذي نص على عدم جواز هبة المفلس، حيث جاء في مختصر خليل : وبطلت أن تأخر لدين محيط[28]،
وقد كرس ذلك العمل القضائي من خلال عدة اجتهادات قضائية من بينها قرار للمجلس الأعلى جاء فيه : " أنه لما تبت للمحكمة أن الزوج وهب لزوجته داره بعد أن أصبحت ذمته عامرة بالمبلغ المحكوم عليه بأدائه لفائدة الدائن واعتبرت أن عقد الهبة وإن وقع صحيحا بين طرفيه فإنه يشكل إفقارا لذمة الواهب التي تعتبر ضمانا عاما لدائنيه، خاصة وأنه امتنع عن تنفيذ مقتضيات الحكم المذكور، وقضت تبعا لذلك ببطلان الهبة تكون قد طبقت صحيح القانون "[29]
ثانيا : ألا يكون الواهب في مرض الموت
لم يعرف المشرع المغربي مرض الموت، وترك ذلك للفقه والقضاء وهكذا جاء في تعريف هذا المرض في حكم صادر عن ابتدائية الخميسات أن : " مرض الموت هو ذلك المرض الذي يرجح معه هلاك صاحبه، ويوشك على التسليم بانقضاء أجله، وجعله في وضع لا يقدر فيه مصالحه كما لو كان معافى ويختل بذلك التوازن الذي يقيمه الشخص العادي بين حاله من الصحة وأوضاعه من المال، وبالتالي فهو : المرض الذي يلازم فيه المريض الفراش، ولا يستطيع معه الدخول والخروج والقيام بالتصرفات العادية في شؤونه وأموره ".[30]
وإذا تمت الهبة في مرض الموت فقد أفاد المشرع أنه تطبق عليها أحكام الوصية، وبالتالي تكون جائزة في حدود الثلث، ما عدا إذا لم يكن للواهب وإرث، إذ ذاك تصح الهبة في الشيء الموهوب بأكمله وذلك بمقتضى المادة 280 من م . ح . ع.
وأحكام الوصية منظمة بمقتضى المواد من 277 إلى 314 من مدونة الأسرة. والملاحظ أن المشرع كان في حالة الواهب الذي توفي وليس له وإرث، ووهب قيد حياته مثلا نصف عقار واحتفظ بالنصف الآخر، ففي هذه الحالة تصح الهبة في الشيء الموهوب بكامله، أي أن الموهوب له يمتلك النصف الآخر من العقار الذي لم تشمله الهبة، حتى لا يبقى ذلك المال مباحا بدون مالك،[31].
وباستقراء العمل القضائي نجده قد ألغى عدة عقود هبة وصدقة تمت في مرض الموت، حيث جاء في إحدى قرارات المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) أن " إدلاء المدعيات بعدة شواهد طبية تثبت أن الهالك كان به أمراض متعددة مات بسببها ولم تسجل عقود الهبة إلا في تاريخ كان معه المرض مستصحبا للهالك تجعل تلك العقود، قد وقعت في مرض الموت ما دامت لم تثبت صحته صحة بينة[32]
ويرى الأستاذ عبد الرحمان بلعكيد أن على الموثق أو العدلين عند توثيق عقد الهبة أن يشيروا بوضوح إلى حالة المشهود عليه الصحية، ومن الأفضل تعزيز ذلك الوصف الصحي بإشهاد طبي لذوي الاختصاص تفاديا لوقوع النزاع بعد وفاة الواهب[33].
وخلاصة القول أن المشرع المغربي لم يبتعد كثيرا عن الأحكام الواردة في الفقه الإسلامي من حيث المضمون حينما عمد إلى تنظيم عقد الهبة.


المبحث الثاني : الرجوع في الهبة بين الثابت والمتغير
عالج المشرع المغربي ابتداءا من المادة 283 من م . ح . ع موضوعا شائكا، وكان مثار جدال وخلاف وهو موضوع الاعتصار، أي الرجوع في الهبة أو رجوع الواهب في هبته.
فقد اختلف الفقهاء المسلمون في جواز الرجوع في الهبة، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم جواز الرجوع في الهبة إلا في حالة واحدة وهي هبة الوالد لولده[34]، وهو ما يصطلح عليه عند المالكية باعتصار الهبة.[35]
وقد عرف ابن عرفة الاعتصار أنه : ارتجاع المعطي عطيته بدون عوض، لا بطوع المعطى[36]
بينما عرفته مدونة الحقوق العينية في المادة 283 حيث نصت على أنه : " يرد بالاعتصار رجوع الواهب في هبته ويجوز في حالتين... "، بخلاف الصدقة التي لا يجوز الاعتصار فيها مطلقا ( المادة 291 ) ويمكن القول على أن الاعتصار هو حالة استثنائية ترد على عقد الهبة بناء على حالات معينة تبيح للواهب استرجاع العين الموهوبة، متى لم تكن هناك موانع تحول دون ذلك.
وهكذا سنقدم موضوع الدراسة في هذا المبحث إلى مطلبين على الشكل التالي :
المطلب الأول : حالات حق اعتصار الهبة
المطلب الثاني : موانع الاعتصار وآثاره




المطلب الأول : حالات حق اعتصار الهبة
لم يفتح الفقهاء أو المشرع الباب على مصراعيه بالنسبة للاعتصار وإنما حدودا له حالتين على سبيل الحصر، بحيث لا يجوز القياس عليهما أو التوسع في تفسيرهما وتلك الحالتين هما :
·       أنه يجوز للأب وللأم أن يعتصرا فيما وهباه لولدهما قاصرا كان أو راشدا، ولقد كانت حالة الاعتصار قاصرة على الأب، ولكن الفقهاء المحدثين سمحوا للأم بالاعتصار ولم يجدوا أي تبرير معقول لتلك التفرقة[37]
·       والحالة الثانية حالة الواهب الذي أصبح عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو من تلزمه نفقته.
وعلى هذا الأساس سأقسم هذا المطلب إلى فقرتين أتناول في ( الفقرة الأولى ) اعتصار الأبوين، لأخصص ( الفقرة الثانية ) لعسر الواهب كسب لاعتصار الهبة.
الفقرة الأولى : اعتصار الأبوين
الأصل في عقد الهبة هو اللزوم، لكن الفقه الإسلامي والمشرع المغربي نصا على أن الاعتصار حق للأب ( أولا ) والأم ( ثانيا ) كل حسب حالاته.
أولا : حالة اعتصار الأب
باستقراء الحالة الأولى الواردة في المادة 283 من م . ح . ع، نجد الإمكانية المخولة للأب في اعتصار الهبة التي وهبها لأبنائه، وبالتالي فإن الأب له الحق في أن يسترد الحصة التي وهبها لأبنائه، سواء كان هذا الابن قاصرا أو راشدا ذكرا أو أثنى، وذلك تطبيقا للقاعدة الفقهية التي تقول " الابن لأبيه وما ملك " والتي تجد أساسها في الحديث النبوي الشريف[38]
وانطلاقا من هذا الحديث فإن الأب له مطلق الحق في اعتصار ما وهبه لأبنائه، وفي هذه المسألة يقول الشيخ التسولي[39]، في تحفته :
والاعتصار جاز فيما يهب                                     أولاده قصدا للمحبة الأب
والملاحظ أن المشرع المغربي تبني نفس أحكام الفقه الإسلامي في تنظيمه للاعتصار من جانب الأب في مدونة الحقوق العينية
ويرى الباحث عبد الواحد التكاني أن مسألة اعتصار عقد الهبة تحتاج إلى أكثر من وقفه قانونية لدراسة الحكمة من الترخيص للأب أو للأم باسترجاع ما وهباه بالرغم من أن الأصل هو استقرار المعاملات وثباتها وما دام أن تصرف الهبة يؤدي إلى امتيازات قانونية للطرف الموهوب له، وعليه فإنه يتوجب الاحتياط في ممارسة هذا الحق وتطبيقه لاسيما وأن صورية التصرفات القانونية متفشية في المعاملات العقارية، وبالتالي سيكون للاجتهاد القضائي دور مهم في تطبيق نصوص مدونة الحقوق العينية فيما ارتبط بهذه النقطة التي ستحتاج لتكييف قانوني للعملية برمتها حتى يتأتى التطبيق الأنسب للقانون وحفظ حقوق الأفراد[40].
ثانيا : حالة اعتصار الأم
بعد تناول حالة اعتصار الأب، سنتطرق لحالة اعتصار الأم بناء على الحديث النبوي الشريف " لا يحل لأحد هبة ثم يعود فيها إلا الوالد "[41].
وانطلاقا من هذا الحديث ومن باب القياس تم إلحاق حكم اعتصار الأم بالأب لتساويهما في مرتبة الوالدين، ما دام أن الحديث ذكر الأب ولم يذكر الأم وهذا الأمر فيه اجتهاد من قبل الإمام مالك رحمه الله[42].
ولكن فقهاء المالكية استلزموا شرط أساسي في اعتصار الأم والذي يعتبر خصوصية تميز حالة اعتصار الأم عن حالة اعتصار الأب، وهو أن يقع هذا الاعتصار في حياة الأب ما دام الابن صغيرا وليس لها أن تعتصر ما وهبته بعد موته، وبالتالي في هذه الحالة تأخذ الهبة حكم الصدقة ويتعذر الرجوع فيها من قبل الأم.
وقال الشيخ التسولي[43]، في هذا :
والأم ماحي أب تعتصر                                    وحيث جاز الاعتصار يذكر
ولكن بالرجوع إلى مدونة الحقوق العينية في تنظيمها لحالة اعتصار الأم، نجدها لم تقيد هذا الاعتصار بأي شرط من الشروط كما فعل الفقه المالكي.
الفقرة الثانية : عسر الواهب كسبب لاعتصار الهبة
جاء المشرع المغربي في المادة 283 من م . ح . ع بحالة ثانية يجوز فيها للواهب الرجوع في هبته ويتعلق الأمر بالواهب الذي أصبح عاجزا عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته.
ونعتقد أنه من غير المعقول أن يهب شخص عقاره ويصاب بضائقة لا يجد لها مخرجا، ويصبح عاجزا عن تحصيل لقمة عيشه وعيش من معه، والموهوب له يتمتع بالعقار الموهوب له، فحتى قواعد الشريعة الإسلامية ومنها دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، وقاعدة الضرر يزال، تقتضي السماح للواهب بالرجوع في هبته واسترداد عقاره حتى يخرج من المحنة التي يتخبط فيها.
لكن التطبيق العملي لهذه المادة سيطرح لا محالة العديد من الإشكاليات من قبيل الكيفية التي يتوجب بها إثبات حالة العجز، هل سيكتفي القاضي هنا بواقع الحال، أم يتوجب أن يتم إثبات ذلك بوسيلة إثبات معينة ؟
والرأي فيما نرى أنه ما دام النص القانون لم يتطرق لكيفية إثبات عجز الواهب، فإن لهذا الأخير أن يثبت عجزه بكافة وسائل الإثبات المنصوص عليها في المادة 404 من ق . ل. ع[44].
أيضا من بين الإشكاليات التي من الممكن أن تثيرها الحالة الثانية من المادة 283 من م. ح . ع مسألة تحديد الأشخاص الذين يجب الإنفاق عليهم من قبل الواهب.
وفي ذلك يجيب الباحث عبد الواحد التكاني على هذا التساؤل بضرورة الرجوع إلى مدونة الأسرة[45]، وخاصة القسم الثالث منها المتعلق بالنفقة، وباستقراء مواد هذا القسم يتضح أن من تلزم النفقة عليهم هم الأبناء والزوجة والأبوين. مع العلم أن هذا الالتزام يمكن التوسع فيه أو التضييق منه وذلك حسب تقدير محكمة الموضوع، واعتبارا لمنطق التكافل العائلي الذي يمكن أن يشمل أفراد آخرين كالعم والعمة أو الخال والخالة، وعليه فإن للمحكمة واسع تقدير هذه الحالة والبحث فيها[46]،
وارتباطا بهذه الحالة يطرح تساؤل آخر، وهو هل يمكن للأفراد الذين يلزم النفقة عليهم من القبل الواهب أن يطلبوا اعتصار الهبة في حالة ما لو تضرروا من تبرع الواهب وعدم رغبة هذا الأخير في الاعتصار رغم وجود حالة العسر ؟
جوابا على هذا الإشكال يمكن القول أن الاعتصار هو حالة خاصة بالواهب وليس لهؤلاء أن يعتصروا الهبة، لأن حق الاعتصار هو حق شخصي للواهب فقط[47] ولهؤلاء أن يسلكوا الطرق القانونية الأخرى كما في حالة الزوجة التي لها المطالبة بالنفقة الواجبة وفق ما هو منظم في مدونة الأسرة[48].
المطلب الثاني : موانع الاعتصار وآثاره
شكل الفقه المالكي أحد الصروح التي انبنت عليها مدونة الحقوق العينية، ويتجلى ذلك من خلال استقراء مواد هاته المدونة والتي من ضمنها المادة 285[49]، التي جاءت بعدد من الموانع منها ما هو فقهي ومنها ما هو مستحدث.
أما في حالة قيام الواهب باعتصار الهبة من الموهوب له والقيام بالإجراءت اللازمة أو صدور حكم قضائي بذلك فإنه في هذه الحالة يترتب عن الاعتصار عدد من الآثار الهامة.
وعلى هذا الأساس سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في ( الفقرة الأولى ) موانع الاعتصار ثم نخصص ( الفقرة الثانية ) لآثاره.
الفقرة الأولى ، موانع الاعتصار في الهبة
من محاسن قواعد الشريعة الإسلامية أنها دائما تقيم التوازن بين المصالح، وتعمل على تلافي الأضرار. وحماية التصرفات المطبوعة بطابع حسن النية، لذلك نظمت تلك القواعد الحالات التي لا يجوز فيها الاعتصار ولا يقبل فيها الرجوع، لأن الرجوع قد يمس بحقوق الغير. أو لأن مراكز قانونية تولدت على أساس وجود تلك الهبة، وسوف نتطرق إلى عوارض الاعتصار المستمدة من الفقه المالكي ( أولا ) ثم تلك المستحدثة في مدونة الحقوق العينية ( ثانيا ).
 أولا : عوارض الاعتصار المستمدة من الفقه المالكي
يمكن تقسيم موانع الاعتصار عند الجمهور من المالكية إلى سبعة موانع كما يلي :
أ- موت الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار
يعد الموت مانعا من موانع الاعتصار لانقضاء العلاقة بين الواهب والموهوب له، ونشوء حقوق الورثة حسب فرائض الله تعالى في المواريث، ويستوي في ذلك أن يكون الموت حقيقيا أو حكميا، كحالة المفقود الذي صدر حكم بتمويته[50].
ب- مرض الموت
وفي هذا المانع جاء في تحفة ابن عاصم الأندلسي[51] :
ولا اعتصار مع موت أو مرض                          له أو النكاح أو دين عرض
إن مرض الموت يعيب إرادة صاحبه، ويجعل تصرفاته لا تنبني على إدراك وتمييز سليمين للأثارهما، ومن تم تبنى المشرع هذا العارض واعتبر مرض الموت مانع من الاعتصار، فإذا زال المرض انتفت العلة وعاد الحق في الاعتصار، وهذا الحكم قال به كل من اللخمى والمغيرة وابن دينار وابن القاسم وابن الماجشون، فالاعتصار عندهم يعود إذا زال المرض لظهور المعنى وزوال العلة، وهو القول الذي رجحه خليل الذي جاء في مختصره " أو يزول المرض على المختار "[52].
ت- زواج الموهوب له من أجل الهبة :
تعد حالة زواج الموهوب له من أجل الهبة إحدى موانع الاعتصار التي تبنتها المادة 285 من م . ح . ع.
ففي هذه الحالة تكون الهبة هي الدافع للزواج، ولولاها لما أبرم الموهوب له عقده، ومثال ذلك أن تكون الهبة سببا في الثقة بالولد فيزوجه بعض الناس بنتهم[53].
وفي هذا قال خليل : " ولو ينكح أو يدان لها " وقال الخرشي شارحا : " يعني أن من شرط صحة الاعتصار أيضا ألا يكون الولد قد تزوج أي عقد لأجل الهبة "[54]
د- إبرام المعاملات المالية مع الموهوب له بسبب الهبة :
بخصوص هذه الحالة فإنها تدخل في إطار موانع التفويت بشكل عام كما أنها تدخل في إطار واقع التعامل بالهبة، كتقديم العقار الموهوب كضمانة بنكية للحصول على قروض توظف للاستمرار. فلو تم السماح باعتصار الهبة حسب هذه الحالة فإن الأمر سيعصف بالعملية الائتمانية برمتها. وفي هذا قضت استئنافية وجدة " وحيث أن الأمر المجتمع عند المالكية فيمن نحل وولده نحلا أو أعطاه عطاء ليس بصدقة، له أن يعتصر ذلك ما لم يستحدث الولد دينا يداينه الناس به ويأمنونه عليه من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه له أبوه..."[55]
هـ - تفويت الموهوب له للملك الموهوب :
ينتج عن التفويت اانتقال الملكية من يد إلى أخرى، فإذا تصرف الموهوب له في الشيء الموهوب بأي من أنواع التصرفات. كالبيع أو المعارضة أو الصدقة مثلا فإنه يخرج من يده ليصبح من حق الغير، ويمنع بذلك الاعتصار لاندثار محله الذي لم يصبح من حقه.
وفي هذا الصدد جاء في المدونة الكبرى : " فله أن يعتصر هبته ما لم يحدثوا دينا أو ينكحوا أو أن تتغير عن حالها "[56].
و : إدخال تغيرات على الملك الموهوب :
من خلال قراءة المادة 285 وخاصة الحالة السابعة نلاحظ أن المشرع قصر هاته التغيرات على تلك التي تؤدي إلى زيادة مهمة في قيمة الشيء الموهوب، وذلك خلافا للفقه المالكي الذي يذهب إلى أن الاعتصار يمنع أيضا بالنقصان كأن يتلاشى البناء أو تصاب البضائع بالعيب وفي هذا الشأن يقول الشيخ خليل : " إن لم تفت لا بحوالة سوق بل بزيد أو نقص "[57].
والجدير بالذكر أن مدونة الحقوق العينية لم تتطرق للحالة التي يعود فيها الشيء الموهوب لقيمة الأصلية ففي هذا الإطار يقول الخرشي : " فلو زاد النقص ورجع الزيد فإنه يعود الاعتصار "[58].
ز- هلاك الملك الموهوب في يد الموهوب له :
نصت الفقرة الثامنة من المادة 285 من م . ح . ع على أنه إذا هلك الموهوب في يد الموهوب له جزئيا جاز الاعتصار في الباقي. وبإعمال مفهوم المخالفة فإنه لا اعتصار مع هلاك الشيء الموهوب لاندثار محله، وبذلك سايرت المدونة الفقه المالكي الذي اعتبر مجرد النقصان في محل الهبة يؤدي إلى منع الاعتصار فبالأحرى اندثار هذا المحل وهلاكه[59].
ثانيا : المانع المستحدث بمقتضى مدونة الحقوق العينية
إذا كانت مدونة الحقوق العينية قد سايرت الفقه المالكي في موانع الاعتصار المذكورة، فإنها أضافت مانعا جديدا ويتعلق الأمر بالهبة من أحد الزوجين للآخر ما دامت العلاقة الزوجية قائمة.
ويلاحظ على أن هذا المانع يخالف الإمكانية المخولة للخطاب بالرجوع في الهدايا التي وهبها لخطبته.
والمشرع ربط المنع من الاعتصار فقط في حالة قيام رابطة الزوجية أما إذا انقضت رابطة الزوجية تنظيم وحسب تنظيم المشرع يمكن لأحدهما اعتصار الهبة.
ويلاحظ أن توجه المشرع هو توجد منتقد، لأن هذه الحالة ستفتح الباب لصراع ما بين الزوجين حتى بعد انقضاء العلاقة الزوجية. وفي هذا الأمر أثر على إمكانية رجوع الطرفين إلى بعضهما وعلى أطفالهما أيضا.
وفي ذلك نجد أن المشرع المصري قد أغلق الباب على إمكانية الرجوع في الهبة حتى ولو انقضت العلاقة الزوجية[60].
 الفقرة الثانية : آثار الاعتصار
يترتب عن رجوع الواهب في هبة مجموعة من الآثار، منها ما هو مباشر ( أولا ) ومنها ما يرتبط بمسؤولية الواهب أو الموهوب له عن هلاك الشيء الموهوب ( ثانيا ).
أولا : الآثار المباشرة الاعتصار
رتبت مدونة الحقوق العينية بمقتضى المادة 287[61] على الاعتصار مجموعة من الآثار والتي تتمثل في :
أ- فسخ العقد :
يقصد بالفسخ انحلال عقد الهبة الذي ولد صحيحا، فيعتبر كأن لم يكن سواء بالنسبة للطرفين ( الواهب أو الموهوب له )، أو في مواجهة الورثة الذين يسترجعون حق قسمة الشيء، ويزول تبعا لذلك حق الموهوب له في الملك، ويؤول من جديد إلى الواهب.
وإذا كان الموهوب له ملزما برد الملك إلى الواهب، فماذا لو كان هذا الملك مثمرا كالأرض الفلاحية مثلا ؟
ب- رد الثمار :
إن المقصود بالثمار تلك الزيادة التي حدثت بعد تمام عقد الهبة، كغرس الشجر في الأرض وما ينجم عنه من ثمرات.
وما دام حق الرجوع ثابتا في الأصل وهو الهبة، فإنه ثابت أيضا في الفرع، فلا وجه لفصل الثمار عن الملك الموهوب، لأنها تابعة للأصل في الرد.
غير أن الموهوب له لا يلتزم بإرجاع الثمار منذ تاريخ تملكه للشيء الموهوب بل من تاريخ الاتفاق إذا كان الاعتصار بموافقته، أو من تاريخ صدور الحكم القاضي بفسخ عقد الهبة وصيرورته نهائيا[62].
وما تجدر الإشارة إليه أن وضع يد الموهوب له على الملك الموهوب وتصرفه فيه، يدفعه إلى بذل مجموعة من النفقات التي يحتاجها الشيء الموهوب، سواء كانت نفقات لازمة أم نافعة، فهل يلزم الواهب برد تلك النفقات ؟
ث- استرداد المصروفات :
بخصوص هذه النفقات فالمشرع قد فرق بين النفقات الضرورية والنفقات الضرورية والنفقات النافعة ونفقات الزينة، فإذا كان قد سمح باسترداد النفقات الضرورية، فإن باقي النفقات لا يرد منها إلا ما زاد في قيمة العقار.
وعند النزاع تعتمد المحكمة على ما بيد الموهوب له من وثائق غير منازع فيها، وإلا تأمر المحكمة بإجراء خبرة على العقار لمعرفة القيمة التي أضيفت إليه بعد الهبة[63].
وما يلاحظ في هذا السياق أو مدونة الحقوق العينية لم تخرج عن قواعد الفقه الإسلامي، هذا الأخير الذي أقر بأحقية الموهوب له في الرجوع على الواهب بما أنفقه من مصروفات ضرورية أو نافعة وهو مسلك راجح[64]، لأن هذه المصروفات قد انفقت من مال الموهوب له فإذا يبذل الواهب قيمتها للموهوب له كان ذك من قبيل أكل مال الناس بالباطل وهو منهي عنه بقوله تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. " [65].
ثانيا : آثار الاعتصار المرتبطة بالمسؤولية
ميز المشرع بمقتضى المادة 288 من مدونة الحقوق العينية عند حديثه عن المسؤولية عن هلاك الشيء الموهوب بين حالتين :
أ- الحالة الأولى :
تتعلق باسترجاع الواهب للملك الموهوب دون وجد حق، ومقتضى ذلك أن يكون استرجاع الواهب للشيء الموهوب مفتقرا للأساس القانوني، كأن يقوم بسرقته مثلا، أو يستعمل رسائل احتيالية قصد استرجاعه، فإذا ثبت هذا الأمر في حقه وهلك الشيء في يده تنهض مسؤولية عن هذا الهلاك، ويلزم حينئذ بتعويض الموهوب له.
ب- الحالة الثانية :
تتعلق بامتناع الموهوب له عن إرجاع الملك الموهوب للواهب بعد الاعتصار، سواء كان هذا الأخير بموافقة الموهوب له، أو بمقتضى حكم قضائي، على أن يتم إعذاره بإرجاع الشيء، فإن لم يفعل، وهلك املك الموهوب في يده، سئل عن ذلك وقامت مسؤوليته[66].


خاتمة
يتضح مما تقدم أن تنظيم المشرع لعقدي الهبة والصدقة ضمن مدونة العينية يعد خطوة محمودة في إطار إصلاح الترسانة القانونية، وهذا التشريع وإن جاء متأخرا إلا أنه حسم في العديد من النقاشات الفقهية والتضارب القضائي.
وقد ارتأينا بعد دراسة جوانب هذا الموضوع أن نضع بعض المقترحات التي استنتجناها من تنظيم المشرع لعقدي الهبة والصدقة وهي كالآتي :
*       يجب على المشرع ضبط حالات الاعتصار بتنظيم محكم
*       يجب الإقرار من لدن المشرع أن رابطة الزوجية هي مانع من موانع الاعتصار سواء أثناء سريان رابطة الزوجية أو بعد انحلالها.
ونشير في هذا الأخير أنه في حالة وجود نقص في التشريع أو عدم وجود نص يطبق على النزاع سوزاء تعلق بالهبة أو الصدقة، فيرجع إلى ما جرى به العمل في مذهب الإمام مالك وإلى الاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام كما ورد في المادة 400 من مدونة الأسرة.

    الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 11, 2018 11:40 am